الإنسان قبل العالم
مقدمة في علم الأنثروبولوجيا
ولادة أخرى
هناك فجوة بين الإنسان والبشرية. والولادة تُجسّد هذه الفجوة. فبينما يخرج الإنسان من رحم أمه، تنبع الإنسانية من جوهره. ولا يدرك الإنسان جوهره حقّاً إلا بتجاوز الحواجز التي يضعها كإنسان. وكما في الولادة الأولى، فإن الولادة الثانية للإنسان تتضمن أيضاً مراحل نمو. فبعد خروجنا من أرحام أمهاتنا، أصبحنا تدريجياً على دراية بعالم أوسع، لأن عالمنا في أرحام أمهاتنا كان صغيراً ومحدوداً. وما إن أدركنا أن أيدينا وأقدامنا وآذاننا وأعيننا تتطلب عالماً أوسع، حتى بذلنا قصارى جهدنا للخروج من ذلك المسكن الأول. وهكذا، تركناه وانطلقنا بحثاً عن مسكن أوسع. ولذلك، فإن كل ولادة تتطلب عنصرين أساسيين:
العنصر الأساسي الأول هو إدراك أن عالمًا أوسع ينتظرنا، والثاني هو إدراك ضرورة التخلي عن العالم الأصغر الذي نعيش فيه. فكما نغادر دفء أرحام أمهاتنا وراحتها على أمل عالم نختبر فيه المشاهد والأصوات والنكهات، فإن نشأة إنسانيتنا تعتمد أيضًا على إدراك وجود عالم أوسع بكثير من رغباتنا: فما دام الإنسان أسيرة رغباته، فهو كالجندي في يد الشيطان. ففي النهاية، بدأت الأنانية في العالم مع الشيطان نفسه عندما تَكَبَّر وظن أن لا شيء في الكون يفوقه. لذلك، كان ينتظره عالم أوسع لو تجاوز أنانيته.
من لا يتحرر من مجرد الوجود كإنسان سيظل غرباء عن الإنسانية الحقيقية، إذ لا توجد فجوة حقيقية بين الميلاد والموت. تخيلوا أيامنا في الرحم، عندما كنا نتغذّى من خلال الحبل السري من أمهاتنا، عندما متنا عن سبل الحياة داخل الرحم، وعندما وُلدنا في حياة الدنيا. قُطعت الحبال السرية، ففصلتنا عن أمهاتنا؛ وهذا يعني أن مصدر رزق جديد، أكثر رقيًا وتغذية، أصبح متاحًا الآن - حليب أمهاتنا. فقط عندما تعرفنا على أفواهنا وأدركنا أننا نستطيع استخدامها للشرب، كنا على استعداد لمغادرة الرحم؛ وإلا، لكان الانفصال عن الحبل السري على أمل لا شيء مستحيلاً. اكتشفنا إمكاناتنا الداخلية القائمة على وجودنا البشري - أيدينا وأقدامنا وأعيننا وآذاننا. كان هذا الاكتشاف بمثابة بداية ميلادنا. وبدون هذا الإدراك، لا يبدو الخروج منه منطقيًا.
يختبر الإنسان ثلاثة عوالم. الأول هو عالم الدنيا الذي وُلد فيه. والثاني هو عالم الأحلام، حيث نسافر إلى مدن بعيدة دون عناء عبور الزمان والمكان. والثالث هو عالم الفكر، حيث نكتشف كينونتنا الحقيقية. لكي ندرك عوالم الخيال والفكر، علينا أولًا أن نتحرر من عالم الدنيا.
بالنسبة للجنين، مهما وصفنا قصص العالم - أطعمته ومغامراته وصداقاته - فإنها لا تُجدي نفعًا. ما يُثير حماسه لمغادرة ذلك المكان الضيق، أي الرحم، هو الجنين نفسه، إذ يكتشف قدراتٍ لا يُمكن أن تظهر في حيز الرحم المحدود. تنشط هذه القدرات، مُؤديةً إلى ولادته. وبالمثل، تتطلب ولادة أخرى، كالولادة الأولى، خبرةً شخصية.
الدرس الأول
مرحباً! سنتحدث اليوم عن البشر. البشر كائنات معقدة وجذابة، لها نقاط قوة عظيمة ونقاط ضعف متأصلة. لكن من هم البشر؟ لماذا خُلقوا؟ وما هو المصير الذي ينتظرهم؟ لنستكشف هذا الموضوع معاً.
الإنسان: خلق فريد
خُلِقَ الإنسان من طين، لكن في داخله سرٌّ يُميّزه عن سائر المخلوقات: الروح الإلهية. يقول الله في القرآن الكريم:
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (ص، 72)
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (38:72)
وهكذا عندما نفخ الله الروح الإلهي في الإنسان أمر الملائكة بالسجود له.
الإنسان: مخلوق يجب أن يعرف نفسه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»
"من عرف نفسه فقد عرف ربه"
وهذا يعني أن معرفة النفس هي الطريق لمعرفة الله.
لكن كيف نحقق هذه المعرفة الذاتية؟ لتحقيقها، علينا أن نتأمل في غاية الحياة، وقوة الإرادة الحرة، ومسؤولياتنا.
الإنسان خليفة الله في الأرض
يقول الله في القرآن:
«إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقره، 30)
"إني جاعل في الأرض خليفة..." (2:30).
وهذا يدل على أن البشر خلفاء الله في الأرض، إلا أن لهذه الخلافة مسؤوليات: إعمار الأرض، ومعرفة الحق، وإقامة العدل.

خطابات فاطمة ميرزائي
الكتب